أنا وكورونا وأخواتها

أنا وكورونا وأخواتها


اخبار دوعن / كتب / عمار باطويل


أتذكر أول حالة مرضية حلت بي عندما كنت في العاشرة من عمري تقريبًا. وقد أصابني مرضًا غريبًا ألزمني الفراش لثلاثة أسابيع متواصلة وقد فقدت في هذه الأسابيع الكثير من الوزن وأصبح صوتي حادًا وخطواتي متعثرة. فمن شدة المرض كنت لا أقدر أقوم من مكاني وكنت لا استطيع أن أذهب إلى بيت الخلاء أكرمكم الله.


كانت والدتي أمدها الله بالصحة والعافية تجلب لي وعاء إلى غرفتي لأقضي حاجتي. وهذا من فضائل الأم الكثيرة التي لا تقدر إلا بالمحبة الدائمة والطاعة لها قولًا وفعلًا. كان يعصرني الألم، فكلما ذهبوا بي إلى مستشفى القرية أعطوني إبرة ولم تجدي الإبرة ولم تنفع وقتئذ.

وفي بداية مرضي كان والدي بعيدًا عني وأعتقد كان في مدينة المكلا التي تبتعد عن وادي دوعن تلك الفترة خمسة ساعات وكانت الطرق وعرة والاتصالات في ذلك الزمن لا وجود لها، كالهاتف المنزلي الذي كان لا يوجد إلا في المدن الكبيرة مثل مدينة المكلا ومدينة سيئون. وكلما مرضت في طفولتي أجد نفسي تحن لوالدي وكنت أشعر بدفئ عندما يكون أبي بالقرب مني. أتذكر في تلك الفترة المرضية التي قست عليّ كان يزورني بعض أصدقاء الطفولة وكان البعض منهم يحاول أن يلطف الجو بالنكتة، فكنت لا أطيق سماع النكت لأن المرض كان أكثر قسوة، وكنت لا أريد أحد يتحدث إليّ وأشعر بغيثان كلما طال الحديث. فعندما بدأت تتحسن حالتي كنت أقوى على الوقوف، فأخرج من الغرفة الملاصقة(للريم) السطوح والتي نسميها (الجناح) وهي غرفة مستطيلة ليست مربعة وكأنها فعلًا تشبة الجناح أي جناح الطير. فكنت أمضي بخطوات بطئة من (الجناح) إلى السطوح وأنظر إلى أقراني وأشاهدهم وهم يلعبون وكنت أتمنى أن ألعب معهم ولكن ما باليد حيلة.

كانت ذكرى أليمة بكل ما تعنية الكلمة من معنى. كان ألمها أكثر من ألم كورونا وقد أشرفت على الموت وقتئذ. كان الليل طويلًا قاسيًا على طفل لم يمر بالحياة إلا القليل ولا يعرف من عقباتها شيئًا.
فعندما نشرت خبر أصابتي بمرض كورونا إلا لكي أكسر الوهم عند البعض وخاصة من يتوهم أن كورونا قد أنتهت من غير رجعة. وهذا وهم يتوهم به البعض، فكورونا أيها الأحبة مرض قاسي لا يستهان به، فالبعض يحتمل أعراضه والبعض الآخر لا ينجوا فنسأل الله السلامة لنا ولكم.
والبعض يقول لي لا تخاف – وأنا والحمد لله لا أخاف وكيف أخاف وأنا مؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. والإيمان نسب مختلفة من شخص لشخص آخر، فهناك من يؤمن بالقضاء والقدر والبعض الآخر لا يؤمن ولا دين له ويعترف بذلك والبعض يخفي ديانته وهذا أمر شخصي مقدس (لكم دينكم ولي دين). فذات ليلة كنت أشاهد مقابلة على اليوتيوب للأديب الكبير أدونيس وأثناء حديثه قال:” أنا لست مؤمنًا”. وقد قرأت للكاتب الروسي ليو تولستوي فأدركت إنه مؤمن مثله مثل دسيويفسيكي. فالمعتقدات الدينية المختلفة لا تسقط عن الشخص إبداعه وتألقه وهذا ما ذهب إليه الدكتور علي الوردي في كتابه(منطق ابن خلدون).
وفي آخر كلماتي؛ أقول أيها الأحبة لا تخافوا عليّ، فأنا على عتبات الأربعين سنة من عمري وهو السن الذي قدسه القرآن الكريم وبقية الكتب السماوية وفيه يكتمل عقل الإنسان أو يصل إلى الحكمة أو جزء منها وأحسب نفسي من أهل الحكمة وأعوذ بالله من شر كلمة أنا.
قال الله تعالى في كتابه الكريم؛
(……..حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين).

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.