Site icon أخبار دوعن || Doan News

خديعة الشهادات: انزياح الوظيفة المعرفية وسقوط المعايير الأكاديمية

أخبار دوعن | كتبه : د.خالد بلخشر

لا تُقاس عافية الأُمم بمجرّد تضخّم مجتمعاتها العمرانية أو اتساع نطاق بنيتها التحتية، بل تكمن النواة الصلبة لبقائها وتطوّرها في صلابة بنيتها المعرفية وسلامة أجهزتها التربوية والأكاديمية. وإنّ ما يشهده التعليم العام والجامعي اليوم في العديد من البيئات الأكاديمية ليس مجرد تعثّر تنفيذي أو نقص في الموارد، بل هو تحوّل بنيوي حرج ينتقل بالتعليم من كونه عملية صياغة للعقل وإعادة إنتاج للقيم العلمية إلى كونه صناعة شكليّة لتوليد الشهادات وتسليع المعرفة، وهو ما يتجلى في ثلاثة مسارات متقاطعة تُشكّل بمجموعها مأزقاً حضارياً وشيكاً.

​ينطلق أول هذه المسارات من حالة الجفاف الاستقطابي التي تشهدها الأقسام العلمية الصارمة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات؛ حيث ينكفئ الطلاب عن الالتحاق بها تحت ضغط التحولات الاقتصادية الاستهلاكية التي تُعلي من شأن التخصصات السريعة والمربحة ظاهرياً على حساب العلوم التأسيسية. إن العلوم الأساسية ليست مجرد تخصصات أكاديمية جافة، بل هي “اللغة الإبستمولوجية” التي يُبنى عليها الابتكار التقني والصناعي، وإن تصفير الإقبال عليها يعني تعطيل المحرّك الذهني الاستدلالي للمجتمع.

ويترتب على هذا الانقطاع المنهجي ما يُعرف بـ “الانهيار التربوي المتسلسل”، حيث يُترجم خلوّ هذه الأقسام اليوم حتمياً إلى غياب المعلم المتخصص والمتمكن في مدارس التعليم العام غداً. وحين يُسند تدريس المفاهيم العلمية المعقدة لغير أربابها، يُطرح المنهاج بأسلوب سطحي قائم على التلقين، مما يُورث الأجيال القادمة نفوراً من العلوم، لتكتمل بذلك الحلقة المفرغة من التجهيل المنظم.

​أما المسار الثاني فيتجسد في التضخم الأكاديمي وهبوط القيمة المعرفية للشهادات العليا، إذ إن فتح برامج الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه دون توافر بيئة بحثية رصينة أو كادر أكاديمي متخصص يُعد تعبيراً صارخاً عن اختلال المعايير. وحين تتحول الشهادة العليا من دليل على إضافة علمية أصيلة إلى أداة لترقية وظيفية أو وجاهة اجتماعية، تفقد الألقاب العلمية وزنها المعرفي وتتحول إلى مجرد استحقاق إداري شاحب. إن إسناد التدريس والإشراف إلى غير المتخصصين يُعيد إنتاج الضعف بصورة مريرة، لتستحيل الرسائل والأطروحات العلمية عملية “تجميع شكلي” للبيانات تفتقر إلى الحس النقدي ورصانة المنهج، وتُنتج فئة ممن يحملون وثائق رسمية وتراخيص أكاديمية دون الحد الأدنى من الكفاية المنهجية والاستيعاب العميق لنظريات تخصصاتهم، مما يُحدث تلوثاً أكاديمياً يُضعف المؤسسة العلمية من الداخل.

​ويتصل بهذا التردي مسارٌ ثالث يتمثل في انزياح الوظيفة الإبستمولوجية للتعليم عن بعد وتعميق تسليعه النيوليبرالي. فبعد أن بدأت فكرة التعليم المفتوح والتعليم عن بعد كفلسفة إنسانية نبيلة تهدف إلى “ديمقراطية المعرفة” وتجاوز العوائق الجغرافية، انحرفت الممارسة الفعلية في كثير من السياقات نحو تحويل المؤسسة الأكاديمية إلى ما يشبه شركة جباية لرفد الميزانيات وتغطية العجز المالي. وأصبحت الأولوية لزيادة أعداد المقبولين وجباية الرسوم على حساب معايير القبول والصرامة الأكاديمية، حيث أدى غياب آليات التقييم الموثوقة وضعف بيئات التفاعل المباشر إلى اختزال العملية التعليمية في مجرد تسجيل حضور وآليات تقويم صورية، مما أنتج سوقاً سوداء للشهادات المفرغة من مضامينها المعرفية والمهارية.

​إن تضافر هذه المسارات يُفضي حتماً إلى حالة مجتمعية خطيرة يمكن وصفها بـ “الأميّة المؤطّرة”؛ وهي حالة يتسامق فيها عدد حملة الشهادات العليا والدكتوراه بينما تتراجع الكفاءة الإنتاجية والبحثية والحلول الابتكارية للمشكلات الوطنية إلى أدنى مستوياتها. وتسفر هذه الظاهرة عن عجز شامل في صيانة البنى التقنية والصناعية نتيجة غياب العقول التأسيسية، وتدهور مريع في جودة التعليم العام بدخول معلمين غير مؤهلين إلى الغرف الصفية، وصولاً إلى فقدان الثقة المطلقة بالمؤسسات الأكاديمية والبحثية على المستويين المحلي والدولي.

​وللخروج من هذا المأزق الحضاري، لا بد من تجاوز الحلول الترقيعية نحو جراحة هيكلية شاملة في إدارة المنظومة التعليمية. تبدأ هذه الجراحة بالفصل التام بين الوظيفة المالية للجامعات والاعتماد الأكاديمي، وإخضاع كافة البرامج لهيئات اعتماد مستقلة وصارمة تُغلق البرامج غير الاستراتيجية أو التي تفقد النصاب العلمي. كما يتطلب الأمر إعادة الهيبة والاعتبار للعلوم الأساسية من خلال تقديم منح حقيقية ومسارات وظيفية مجزية لحملتها وضمان إلحاقهم بكوادر التعليم العام وفق سلم أجور يرتقي إلى أهميتهم الوطنية.

وأخيراً، ينبغي الانتقال الصارم نحو نظام “اختبارات الكفاءة الوطنية”، بحيث لا يُكتفى بالشهادة الأكاديمية لولوج مهنة التدريس أو الممارسة الأكاديمية، بل تُربط باختبارات رخصة مهنية صارمة تُقيس العمق المعرفي والقدرة التحليلية الفعلية، لغربلة الشهادات الشكلية وحماية الجسد المعرفي للمجتمع من الانهيار.

Exit mobile version