الأخبار المحلية

عبدالله أحمد باعشن: رائد التنوير وصانع النهضة التعليمية في وادي دوعن

عبدالله أحمد باعشن: رائد التنوير وصانع النهضة التعليمية في وادي دوعن

أخبار دوعن /كتبه :عبدالله الحداد

تتجلى في التاريخ الحضرمي الحديث شخصيات استثنائية لم تكتفِ بدورها التقليدي،
بل تجاوزته لتصبح محركاتٍ للتغيير الاجتماعي والتربوي. ويبرز الشيخ عبدالله
أحمد باعشن (1916م – 2011م) كأحد أبرز هؤلاء الرواد الذين جسدوا مشروعاً
نهضوياً متكاملاً في وادي دوعن، متجاوزاً بفكره أطر الزمان والمكان، ليغدو
علامةً فارقة في مسيرة التنوير بالمنطقة.
سياق النشأة: الأصالة كمنطلق للريادة
انحدر الشيخ عبدالله باعشن من مدينة “الخريبة”، في كنف أسرة عُرفت برسوخها
العلمي وعمقها الروحي، وهي التي وصفها مفتي حضرموت الشيخ عبدالرحمن السقاف
بعبارته الذائعة: «آل باعشن بيت علم ومغرس فضل ومنبت صلاح». هذا الإرث العائلي
لم يكن مجرد صبغة اجتماعية، بل كان الرافعة الأولى لتكوينه المعرفي؛ حيث تدرج
في العلوم الشرعية واللغوية في رباط باعشن العريق، مستلهماً مناهج السلف في
تلقي العلوم.
إلا أن ما ميز شخصية الشيخ عبدالله هو قدرته الفائقة على المزاوجة بين
“الأصالة” و”الحداثة”. فقد قادته طموحاته إلى الارتحال مبكراً؛ حيث قصد مدينة
الحديدة عام 1347هـ، ومنها إلى عدن، ليغوص في دهاليز “مدرسة الفلاح” والمعهد
العلمي. لم يكن رحيله طلباً للمعاش فحسب، بل كان سعياً لاكتساب أدوات العصر؛
فأتقن اللغة الإنجليزية، وفنون الطباعة، والمراسلات الحديثة، مما صهر فيه هوية
المثقف المتسلح بالمعارف التقليدية والعلوم العصرية على حد سواء.
مأسسة التعليم ومحاربة الجمود
عند عودته إلى دوعن في أربعينيات القرن الماضي، لم يجد الشيخ عبدالله بيئة
تعليمية توازي تطلعاته التنويرية، فقرر أن يكون هو المبادرة ذاتها. وفي عام
1364هـ، أقدم على خطوة جريئة تمثلت في تأسيس أول مدرسة خاصة بالمنطقة، معتمداً
فيها نموذجاً تعليمياً متكاملاً شمل علوم اللغة العربية، والرياضيات، واللغة
الإنجليزية. لم تكن هذه المدرسة مجرد منشأة تعليمية، بل كانت “صدماً معرفياً”
للمجتمع، أزاحت غبار الجمود عن مناهج التلقين التقليدية، وأرست دعائم تعليم
منهجي يواكب متطلبات العصر.
التنوير المسرحي والصحافة الموازية
آمن الشيخ عبدالله باعشن بأن التغيير الاجتماعي لا يكتمل إلا عبر “القوة
الناعمة”. وفي هذا السياق، وضع اللبنات الأولى للحركة المسرحية المدرسية في
المركزالثقافي “باحماد” بدوعن الخريبة، متخذاً من خشبة المسرح منبراً تربوياً
وأداةً نقدية، حيث قدّم أعمالاً مسرحية جسدت قيم التاريخ والعدالة، مثل:
“إسلام عمر”، و”الحجاج”، و”سيف الجلاد”.
ولم يتوقف طموحه عند حدود “الكلمة المنطوقة”، بل أسس صحيفة “الفكر” الخطية،
التي مثلت لسان حال طموحات المجتمع وهمومه. لقد كان هذا التعدد في أدواته
(التعليم، المسرح، الصحافة) دليلاً على إدراكه العميق بأن التنوير عملية
شمولية تستهدف العقل والوجدان معاً.
مفارقة الرواد: بين أثرٍ باقٍ وتقديرٍ غائب
يظل التعبير الذي صاغه الراحل الأستاذ نجيب يابلي، «أثابه الله وجحده البشر»،
توصيفاً دقيقاً لمعاناة الرواد الذين يسبقون أزمنتهم. فقد حمل الشيخ عبدالله
عبء التأسيس بمفرده، مقتطعاً من ماله وجهده الخاص لبناء هذا الصرح المعرفي، في
وقت كان فيه التقدير المؤسسي يقصر عن استيعاب حجم تضحياته. وعلى الرغم من
تنقله في وظائف رسمية بمصلحة البريد والجوازات، ظل طوال مسيرته جندياً مخلصاً
للأرض، مؤمناً بأن العمل التنويري هو غاية في حد ذاته، لا ينتظر ثمناً.
خاتمة: إرث لا يندثر
ترجل الفارس عن صهوة الحياة في الثاني من مايو 2011م، عن عمر ناهز 95 عاماً،
تاركاً خلفه في وادي دوعن إرثاً تربوياً وتنويرياً لا تزال أصداؤه تتردد في
ذاكرة الأجيال. إن جنازته المهيبة في “الخريبة” لم تكن وداعاً لمجرد شخصية
اعتبارية، بل كانت تكريماً شعبياً لمشروع نهضوي أعاد رسم معالم العقل الدوعني.
إن تدوين سيرة الشيخ عبدالله أحمد باعشن ليس مجرد استحضار لتاريخ شخصي، بل هو
واجب أدبي وتوثيقي لإنصاف رجلٍ أثبت أن القيمة الحقيقية للعلماء تكمن في
قدرتهم على تحويل “الفكرة” إلى “واقع”، وبين “الكتّاب” و”المدرسة” كان الشيخ
عبدالله جسراً عبرت من خلاله دوعن نحو آفاق التحديث.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى