
أخبار دوعن| كتبه : شوقي السبايا
زرت القزة الرابضة كحارسٍ أبدي على سفح الجبل المحاذي لوادي الغبر في منطقة الهجرين، وهو أحد روافد وادي دوعن. هناك، ينحدر الوادي في المنطقة بميلان كبير، تاركاً صخوراً عارية ملساء نحتتها المياه، وطريقاً وعرة وشاقة للسيارات.
كان الثاني عشر من أغسطس لعام 2026، هو آخر أربعاء في شهر صفر القمري؛ وفي حضرموت، ينطلق الكثير من الناس لتناول وجبة الغداء خارج البيوت في أحضان الطبيعة، في طقس عريق يُقال إنه لطرد التشاؤم من هذا الشهر، أو ربما هو امتداد لصلة قديمة بـ سين إله حضرموت المعبود المتجسد في الهلال القمري ذو الأصل الرافدي.
حينما وصلنا القرية برفقة بعثة إعلامية تسلط الضوء على “كهف القزة”، شعرنا بأن المكان نادراً ما يُزار؛ إذ كانت كل سيارة تدخل القرية تتوقف للسلام و لتسأل عن حالنا. السائلون كانوا من قبيلة البطاطي سكان هذه الأرض منذ خمسة قرون.
لا تحتاج إلى كثير جهد لتميز ملامحهم الفريدة: رجال بيض لفحتهم الشمس ب سمرة خفيفة، نحاف الأجساد، ذوو وجوه مستطيلة، يعلوها شعر أسود مستقيم وخشن، وعيون مستديرة سوداء أو ذات ألوان غائرة غامقة ، وأنوف دقيقة مستقيمة. وجوه جميلة كجمال موطنهم، تخفي وراءها تاريخاً قديماً من الشجاعة والجلد وخوض الحروب، فهم من قبيلة يافع العريقة، والذين أظنهم من أوائل من استوطن منها في ربوع حضرموت.
حين تتأمل هذا الجمال البصري الفريد، تأخذ لبّك الحصون والبيوت القديمة المنتصبة على حافة الجرف الشاهق؛ ناطحات سحاب طينية مهيبة، ترتفع لعدة طوابق كأنها نبتت من جسد الصخرة التي تحملها، بألوانها الترابية الدافئة التي تتماهى تماماً مع تفاصيل الجبل الأصم. هذه البيوت العتيقة بنوافذها الصغيرة المنتظمة، تحكي بصمتٍ قصص قرون من الثبات والصمود، حيث تقف الحصون في الأعالي كحراس أوفياء لواحة النخيل الغناء الكثيفة الممتدة في أعماق الوادي، لتصنع لوحة نادرة تجمع بين عبقرية الطين وعنفوان الجبل.
صعدنا الجبل بمحاذاة الوادي مسافة قصيرة، حتى تأخذك الدهشة حينما تلمح من بعيد كهف القزة الأسطوري وقد غطت مدخله أشجار قصيرة كأنها تخفي سراً دفيناً. إنه مكان أقدم استيطان بشري في الجزيرة العربية (وإن كان ما زال محل جدال علمي)، حيث ينوف عمر أدواته المكتشفة عن 700 ألف سنة أو أكثر، منتمياً ساكنوه لأوائل المغادرين للقارة الأفريقية من جنس ما قبل الإنسان العاقل. عانقت مياه الأمطار مدخل الكهف مشكلة مرآة صافية تعكس عراقة المكان قبل أن نلجه.
كهف ليس عميقاً جداً، لكن نظرة واحدة من داخله نحو الأفق الخارجي تأخذ خيالك في رحلة عبر الزمن إلى ذلك الرجل البدائي وهو يحتمي هنا مع أسرته، مصغياً لخرير المياه المتدفقة وهفيف الرياح، ومراقبا حركة الحيوانات الكثيرة المتجولة في الوادي.
غادرنا عتمة الكهف وصعدنا فوق الكتلة الصخرية الصلبة لأرضية الوادي، لتستقبلنا أصوات صاخبة ومرحة تزداد قوتها كلما ارتقينا. هناك، صبية وشباب يغتسلون في “القلت” و يعني الماء المتجمع بين الصخور الصلبة غير المسامية.
اغتسلنا ببرودته المنعشة، وشاركناهم تلك اللحظات الدافئة المفعمة بالبهجة، وسرعان ما ولفناهم كأننا منهم. ومع ميلان شمس العصر نحو الغروب، جففنا أجسادنا وهبطنا نزولاً بينما كان صدى أصوات المرح يتلاشى رويداً رويداً في الأعالي. غادرنا المكان عند الساعة الرابعة عصراً بعد أن قضينا قرابة الساعة والنصف.
بينما كنا نلتف حول آخر منعرج صخري وعر، ألقيت نظرة أخيرة إلى الأعلى نحو الحصون والكهف الغامض،كانت هناك عيونا لرجال تراقبنا من النوافذ الطينية العتيقة، وصوت همهمات رجل بدائي تتسلل من أعماق الكهف يدعونا للعودة.






