شاعر الجزوع … سعيد القثمي

كُفِنّت الشمسُ وغابت وكفنها الغمام .. والليل يؤوب و يتوضء بالظلام .. وخرج إلى المحراب وبيدهِ منسأة .. يطرق بها اﻷرض .. والبدرُ شامةٍ بيضاء في سواد السماء .. كنت قد مررت بهذه الطبيعة وأنا في القرية الناعسة بيوتها على مجرى سيل الواد .. الهادئة الصاخِبة قرية نسرة حيث زهو المكان وأريج الزمان وموطن الرجال ..و أحد بوابات وادي دوعن من جهة الشمال .. شممت رائحة من عبق الشعر ملتصقة على جدران طينية .. إنهُ لبيت الشاعر سعيد عمر محمد القثمي .. وإنا أصدق صفات الشاعر ابو عمر اخلاصه لفنّه الشعري وولاءه وحبُّه الغزير لهذا الشغف .. وصفائه المحمود تخلّيه عن التقليد الذي اتصف به بعض الشعراء .. ويشاغل نفسه للابتكار والأبداع التياري المستمر .. كما أن حياة البادية قد اسهمت في تشييد قريحته ولها الأثر البيّن في ترميم القريحة ما إذا ادخلت عليها لبنات الحضارة .. ونرى ذلك من خلال اشعاره وخاصة المطولات التي يتنمق بجمال ضلعِها وحباكة سماءِها .. امّا عن اللكنة البحتة التي نشأت في الطبيعة العذراء عند مبارك الأبل وصلادة الحجر وتقلب الطقس وأكل لحم المعز على الحجار النحيلة بعيداً عن ترف التمدّن ودلع الأرياف .. جعلت منه شاعراً غرائزي يتفنن بتلك اللهجة التي هيّ مساج الأذنين وراحتهُما في الغوص إلى مشاشة العقل وسويدا القلب واصفهان الروح .. ولابدّ من تجزّل الشعر وتعقده شعبياً .. ولا ينبغي أن يكون ركيكاً ولا مائعاً .. وماهذا إلاّ فوضى المشاعر واطراب الاحاسيس .. وهوّ يؤكد ماقلتُ سابقاً : ان اردنا شعراً يسمو لهُ المجتمع فعلينا أن نُصعب البيئة لنحصل على النتاج المركز .. وإن لمعَ عارض لتلك الشائبة فأني أدرجه في قولهم : ( شاعرٌ رقيقة .. ذو روعة كجزله ) .. و أجده يحاكم الغربة ويكابد ذلك الصقيع في محكمة النفس التي ليس لها قاض سوى الضمير وحده .. ويحاول أن يبلسم أحكام الضيم الصادرة من ثنايا القدر على مهاميز الواقع وجوامع الحياة ببلسم الصبر والإحتساب .. وتقف على غريب الألفاظ مما يشعرك بالفضول والحماس لمعرفة التكوين الإنشائي الذي يستبق المَعنى والحدس ويطفح بهم إلى الغرابة في سير النسق .. وتجد بعض من ذلك في مطولته : ( دندن على الصوت ذي لحنه يحرض حراض … ويخلي الراس من غيه يهز السيّن ) .. وهذه الغيّة ان كانت لطيفة أو تصنع بشكل سريع فــهيّ فرط العشق وسرف الهوى .. والصباب الجامح والمُتيّم الصدوق .. وهوّ الاخر يصارع ويلات الإغتراب و يقارع غصات الهجران ( درب السفر شاق له راسي شمط بالبياض … ايامه ثقال ولياليه ماينطون .. إلى أن قال ( اني وان كنت في نجد بقلب الرياض … لكن قلبي وروحي عندكم في اليمن ) .. والحب العفيف المزداد بالشفقة والتراحم يجسده بقوله ( ومن حب حد دق له عظمه ورضه رضاض .. وفرح من فرحه وان شافه حزينن حزن ) .. ( يقولوا لي تبالغ في الذيهو يعشقه قلبي … ولو شلو عيوني بايشوفونه كما ماشوف ) .. وما إلى ذلك من جميل اللفظ وحسن التجسيد .. وقد أخبرني ذات ساع أنهُ قد فرغ من كتابة قصيدته الفصحى .. وهذا يدلل إحاطته بالشعر الرفيع والشعبي معاً .. وليس سهلاً تقاطع هذه الميزتين إلاّ شاعِراً متوهج الذكاء ينزف الشعور مدرارا .. وان نظرت إليه نظرةً ادبية لوجدته من أجزل شعرائنا حالياً أن لم أقل أجزلهم ..ابو عمر شاعر لهُ فلسفة الخاصة .. قمين أن تبلغ من وجدانك اضعاف مايصحب شعر الصناعة الذي لا يُدّرس عبقرية وإلهام صادق .. في سريع التلبية وفيض القريح والخيال السيّال في تدوين الأنغام التي تتألف في ذهنه .. إنهُ قلعة سامقة .. وحلبّة شعرية صعبة التضاريس .






