سوزان باعقيل .. حين تصبح حضرموت موسوعة عالمية بالضوء والصورة
امرأة صنعت أرشيفًا بصريًا للعالم وخلّدت حضرموت عالميًا بعدسة توثيقية نادرة

تقرير – عبدالله الحداد
| حين تتحدث الأرض بعدسة امرأة
ليست كل الصور قادرة على حمل الذاكرة، وليست كل العدسات مؤهلة لأن تتحول إلى سجل تاريخي. وحدها الصورة التي تُلتقط بوعي حضاري، وبمسؤولية أخلاقية، وبصبر الباحث، يمكن أن تتجاوز حدود الجمال لتصبح وثيقة. في هذا الفضاء تحديدًا، تقف تجربة المصورة والإعلامية العالمية سوزان سالم باعقيل، التي لم تكتفِ بأن تكون شاهدة على المشهد، بل تحولت إلى صانعة للذاكرة، وحافظةٍ لتاريخٍ كامل، اختارت له حضرموت بوصفها مركز الارتكاز.
ففي زمن تتآكل فيه الهوية تحت ضغط العولمة والتشظي البصري، جاءت موسوعة «حضرموت بلاد الحضارمة» لتعيد الاعتبار للصورة بوصفها أداة حفظ وبناء وامتداد حضاري، لا مجرد مادة استهلاكية عابرة.
تُعدّ الفنانة والمصورة والإعلامية سوزان سالم باعقيل واحدة من أبرز الأسماء العربية في مجال التصوير التوثيقي الاحترافي، ومن القلائل الذين حوّلوا الصورة من منتج فني إلى وثيقة حضارية معتمدة. تمتلك مسيرة مهنية تمتد لأكثر من ثمانية وثلاثين عامًا، جمعت خلالها بين العمل الإعلامي الدولي، والتوثيق الثقافي، والمشاريع البصرية طويلة المدى.
سوزان باعقيل هي أول مصورة عربية محترفة تتخرج من جامعة ميامي فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تُعد مؤسسة أول ستوديو نسائي احترافي للتصوير في المملكة العربية السعودية، وأول من أسس مركزًا متخصصًا في تدريب التصوير الاحترافي، واضعةً بذلك حجر الأساس لمأسسة هذا الفن في بيئات كانت مغلقة أمام المرأة لعقود طويلة.
| المسيرة العالمية .. من المنصات الدولية إلى الجغرافيا العميقة
تنتمي الفنانة سوزان باعقيل إلى جيل نادر من المصورين الذين جمعوا بين العمل الإعلامي الدولي والتوثيق الإنساني طويل المدى. على مدى أكثر من ثمانية وثلاثين عامًا، راكمت خبرة مهنية مكّنتها من العمل في بيئات سياسية وثقافية شديدة الحساسية، ومن توثيق لحظات مفصلية في العالم العربي والإسلامي، ضمن معايير احترافية عالية جعلت أعمالها محل تقدير دولي.
إن القيمة الحقيقية لمسيرتها لا تكمن فقط في اتساع الجغرافيا التي عملت فيها، بل في عمق الاختيارات. فقد انتقلت من تغطية الحدث إلى توثيق المكان، ومن اللحظة إلى المسار، ومن الصورة الخبرية إلى المشروع الموسوعي. وكان هذا التحول الذكي هو ما مهّد لولادة واحد من أهم المشاريع التوثيقية البصرية في المنطقة.
حازت الفنانة سوزان باعقيل على أكثر من 158 جائزة محلية ودولية، ونالت أعمالها إشادة واسعة من مؤسسات ثقافية ومنصات إعلامية عالمية، بدءًا من مسابقات الأمم المتحدة، وصولًا إلى كبرى المعارض والمتاحف الدولية. وقد بيعت أعمالها في مزادات عالمية مرموقة، أبرزها دار كريستيز في لندن، واقتنت صورها مؤسسات ثقافية عريقة مثل متحف فيكتوريا وألبرت في بريطانيا، ومتحف كيبيك في كندا، والمتحف الروماني في روما.
كما وثّقت بعدستها شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة، من ملوك وأمراء وقادة دول، من بينهم عدد من أصحاب الجلالة والسمو في المملكة العربية السعودية، والأمير البريطاني تشارلز، والرئيس الإيطالي جورجيو نابوليتانو، إضافة إلى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، وعدد من القادة العالميين
| الريادة النسوية .. قيادة هادئة بعدسة واعية
في مجال ظل طويلًا حكرًا على الرجال، استطاعت سوزان باعقيل أن تشق طريقها بثبات، دون ضجيج، معتمدة على الكفاءة لا على الشعارات، وعلى الإنجاز لا على الادعاء. ريادتها النسوية لم تكن خطابًا، بل ممارسة مهنية صلبة، تجلّت في قدرتها على الوصول إلى أماكن مغلقة، وتوثيق مجتمعات محلية بعمق واحترام، وبناء ثقة إنسانية مع الناس قبل تصويرهم.
هذا الحضور النسوي الاحترافي منح أعمالها بعدًا إضافيًا، حيث أصبحت الصورة وسيلة فهم لا اقتحام، وجسرًا ثقافيًا لا أداة استهلاك بصري.
تميّزت مسيرة سوزان باعقيل بريادة غير مسبوقة في تغطية القمم السياسية والدينية الكبرى، حيث كانت أول سيدة تصور القمة العربية في الرياض، والمصورة الوحيدة في قمة أوبك الثالثة بالرياض عام 2007، وأول من وثّق بعدسته خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله رحمه الله والملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، في مناسبات رسمية كبرى.
كما انفردت بتصوير الحرم المكي والمشاعر المقدسة تصويرًا جويًا عبر الطائرة العمودية منذ عام 2003، مقدّمةً واحدة من أندر السجلات البصرية للحج والحرمين الشريفين، وهي أعمال تُعد اليوم مرجعًا بصريًا وتاريخيًا عالي القيمة.
| القيمة التوثيقية .. الصورة بوصفها ذاكرة وهوية
تتعامل سوزان باعقيل مع الصورة باعتبارها أرشيفًا حيًا. كل لقطة في أعمالها ليست منفصلة عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، بل مرتبطة به ارتباطًا عضويًا. ولذلك جاءت مشاريعها التوثيقية، وعلى رأسها موسوعة حضرموت، قائمة على منهج علمي بصري، يجمع بين:
- المسح الميداني
- التوثيق الزمني
- القراءة الإنسانية للمكان
- احترام الخصوصية الثقافية
هذا المنهج حوّل الصورة من مادة فنية إلى وثيقة معرفية صالحة للاستخدام الأكاديمي والثقافي والبحثي.
| موسوعة حضرموت .. حين تصبح الجغرافيا مشروعًا حضاريًا
تُعدّ موسوعة «حضرموت بلاد الحضارمة» تحفة توثيقية نادرة، تتكوّن من ثلاثة مجلدات فاخرة محفوظة داخل علبة أنيقة، وتضم أكثر من ألف صورة أصلية، صدرت باللغتين العربية والإنجليزية، لتخاطب الداخل والخارج في آن واحد.
اعتمدت الموسوعة على مسح ميداني شامل شمل ثلاثًا وستين مدينة وقرية وبلدة، من بينها المكلا، تريم، سيئون، شبام، الهجرين، قيدون، ووادي دوعن بشقّيه الأيمن والأيسر. وقدّمت هذا المسح بوصفه قراءة بصرية تاريخية وإنسانية متكاملة، صوّرت حضرموت من الداخل، بعيدًا عن الصور النمطية، وقريبة من نبض المجتمع وعمق تكوينه. لم تكتفِ الموسوعة بتوثيق العمران والمكان، بل ذهبت أبعد من ذلك، إلى:
- توثيق أسماء العوائل بوصفها جزءًا من الذاكرة الاجتماعية
- تسجيل تفاصيل الحياة اليومية
- إبراز الحِرَف التقليدية
- توثيق الأزياء، والعسل الدوعني، والأنشطة الاقتصادية
- تسليط الضوء على العمارة الطينية كمنجز حضاري إنساني
وبذلك تحوّلت الموسوعة إلى سجل بصري موثوق، يحفظ الذاكرة الحضرمية، ويربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال القادمة مرجعًا حيًا لهويتهم ، فلم تكن موسوعة «حضرموت بلاد الحضارمة» مشروعًا تصويريًا تقليديًا، بل عملية توثيق حضاري متكاملة امتدت لعشر سنوات من العمل الميداني المتواصل حيث اعتمدت الموسوعة على التنقّل بين المدن والقرى والوديان، والدخول إلى البيئات المحلية، والتفاعل المباشر مع المجتمع، بما أتاح توثيق حضرموت من الداخل، بعيدًا عن الرؤية السياحية السطحية.
وتتجلّى فرادة هذه الموسوعة في كونها تجاوزت حدود التوثيق البصري للمكان، لتقدّم قراءة إنسانية شاملة للمجتمع الحضرمي من الداخل، حيث رصدت البنية الاجتماعية والعائلية بوصفها نواة التكوين الثقافي، ووثّقت أنماط العيش اليومية بتفاصيلها الحيّة، وقدّمت الحِرَف التقليدية باعتبارها اقتصادًا ثقافيًا متجذرًا في الذاكرة المحلية، كما أولت اهتمامًا خاصًا بالأزياء والملامح المحلية بوصفها شواهد هوية، وصولًا إلى توثيق العمارة الطينية باعتبارها أحد أقدم أنظمة البناء في التاريخ الإنساني وأصدق تعبير عن عبقرية المكان واستمرارية حضارته.
كما أولت الموسوعة اهتمامًا خاصًا بتوثيق أسماء العوائل الحضرمية في كل منطقة، إدراكًا لأهمية البعد الاجتماعي في تشكيل الهوية، ما يجعلها مرجعًا فريدًا لأبناء حضرموت في الداخل والمهجر.
| حضرموت للعالم .. من المحلية إلى الكونية
تكمن أهمية هذا المشروع في أنه لم يقدّم حضرموت كجغرافيا محلية، بل كجزء فاعل من التاريخ الإنساني. فقدّمت الموسوعة حضرموت للأوساط الأكاديمية والثقافية والبحثية بوصفها أرضًا ذات إرث حضاري عميق، ومقومات إنسانية وسياحية وثقافية غنية. وهنا تحديدًا، تتجلّى عبقرية المشروع: تحويل المكان إلى رسالة، والهوية إلى محتوى عالمي، والصورة إلى لغة مشتركة.
وحين تحفظ العدسة ما تعجز عنه الذاكرة، ندرك أننا أمام فعلٍ حضاري لا مجرّد عمل فني. ففي زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتبهت فيه التفاصيل تحت وطأة النسيان، جاءت تجربة الفنانة العالمية سوزان سالم باعقيل لتؤكد أن بعض المشاريع لم تُخلق لتُستهلك، بل لتبقى، وتُورَّث، وتتحول إلى ضمير بصري حيّ للأمكنة والإنسان.
إن موسوعة «حضرموت بلاد الحضارمة» لا يمكن اختزالها في كونها كتابًا مصوّرًا أو إصدارًا توثيقيًا فاخرًا، بل هي مشروع ذاكرة شاملة، ووثيقة هوية متكاملة، ورسالة ثقافية وإنسانية عميقة، تحمل في صفحاتها سردية أرضٍ صنعت الإنسان، وإنسانٍ حمل أرضه معه إلى العالم. هي عمل يؤسس للأرشيف بوصفه فعل مقاومة للنسيان، ويعيد الاعتبار للصورة باعتبارها لغة معرفة، لا زينة بصرية.
وقد أدّت الموسوعة دورًا إعلاميًا ومعرفيًا يتجاوز حدود التوثيق، لتصبح منصة تعريف عالمية بحضرموت بوصفها أرضًا للحضارة والتنوّع والعمق الإنساني. فهي تخاطب الإنسان الحضرمي في الداخل والمهجر، وتعيد وصل الأجيال بجذورها، وتقدّم للباحثين والأكاديميين والمهتمين مرجعًا بصريًا موثوقًا، كما تفتح أمام الإعلام الثقافي نافذة نادرة لسرد قصة حضرموت بعيدًا عن الصور النمطية والاختزال.
أما أثرها الأعمق، فيكمن في دورها الأخلاقي والإنساني؛ إذ حفظت للإنسان الحضرمي ملامحه، وللأرض ذاكرتها، وللهوية سياقها المتصل عبر الزمن. لقد أدّت هذه الموسوعة مهمة وطنية وثقافية بامتياز، وأسهمت في صون الإرث الحضاري، وتعزيز الوعي بقيمة المكان، وترسيخ الانتماء بوصفه معرفة قبل أن يكون شعورًا.
بهذا المعنى، لا تمثل «حضرموت بلاد الحضارمة» إنجازًا شخصيًا لسوزان سالم باعقيل فحسب، بل إنجازًا لحضرموت نفسها، وللإعلام الثقافي العربي، وللمشاريع التي تؤمن بأن الصورة حين تُنجَز بصدق ومسؤولية، تصبح وطنًا محفوظًا من الضياع.






















