السياسي الذي ضل طريقه

في السياسة اليمنية ثمة قصة يجب ان تحكى عن السياسي الذي ضل طريقه ، عن السياسي الذي تسلق جبل “المجد” وحينما كان على بعد خطوة منه عثرت قدماه فسقط إلى منحدر سحيق لم يبق منه شيء إلا صوت ارتطامه بالأرض الذي أضاع كل شيء، عن السياسي الذي قاد حضرموت خلال عام ونصف إلى مجد لم يقدها غيره طوال سنوات طويلة .
عن “السياسي” الذي يشعرك حديثه بالأمان وبالدولة وحضورها.
وهذا السياسي هو “احمد بن بريك” فارس السياسة الحضرمية بلا منازع والنجم الذي بزغ مبهرا الجميع قبل ان يأفل .
على غير العادة ظل “بن بريك” في الظل رجلا مهما في منصب هامشي عسكري بجمهورية مصر العربية قبل ان يعين محافظا لحضرموت عقب تحريرها من القاعدة .
وخلال أشهر قليلة فقط بدأ هذا الاسم يطرق كل المسامع “احمد بن بريك” فخامة الاسم والحضور والقوة والدهاء وقوة الشخصية ، صفات كثيرة قلما تجدها في سياسي جنوبي خلال العقود الأخيرة توفرت في الرجل .
برز الرجل إلى جانب صديقه “فرج البحسني” ومثل الرجلان نموذج قيادة سياسية جميلة قاد “حضرموت” خلال أشهر قليلة صوب حالة من النجاح لم يكن يحمل بها الحضارم قط .
وفيما كانت اليمن تتجاذبها العواصف والتيارات نجح “بن بريك” في قيادة دفة محافظة حضرموت مبحرا بسفينتها بنجاح باهر ، نجح الرجل في إقناع الجميع انه معهم وانه ضدهم وتراقص بذكاء على رؤوس الثعابين اليمنية والجنوبية كلها على حد سواء .
لعقود طويلة فشلت حضرموت مثلها مثل “الجنوب” قاطبة في إنتاج الرجل السياسي الداهية إلى ان برز “بن بريك” فأثبت انه لايزال هناك متسع من الوقت لبروز شخصيات سياسية من العيار الثقيل وهكذا كان “بن بريك” برجماتيا سياسيا نادرا.
كانت لدى “بن بريك” فرصة نادرة وذهبية ان يصنع مجدا لحضرموت لايضاهى لكن الرجل ضل طريقه ودفع ثمن فشل غيره وذهب ضحية صراع ليس له من صله به.
في زمن مابعد الحرب في الجنوب منح “هادي” الجنوبيين السلطة في محافظاتهم وبناء وطنهم ومكنهم السلطات كلها وكانوا قادرين على صناعة التحولات والمتغيرات إلا ان بعضهم صاحبهم الفشل منذ البداية.
في حضرموت التفت “بن بريك” صوب رفيقه “اللواء البحسني” وقال له :” هيا بنا وانطلقا سويا وحلقت حضرموت لتتقدم الجميع ولتقدم أفضل نموذج لمحافظة يمنية تحث الخطى صوب “النجاح”.
عقد الحضارم مؤتمرهم الجامع ، واستجلبوا الاستثمارات المحلية وتحولت المكلا إلى نموذج مدينة يمنية تحث خطاها صوب مصافات نجاح كبيرة.
وفي “عدن” عيّن “هادي” الزبيدي محافظا فنام الرجل وغط في نوم عميق وذهبت المدينة إدراج الرياح وعلى خلاف “بن بريك” في إدارة الخلاف مع الغير أدار “الزبيدي” خلافه مع هادي بصدام شديد انتهى بالإطاحة به ليتذكر “الزبيدي” لاحقا “الجنوب المحتل”.
وحينما سقط الزبيدي جر معه إلى الهاوية نماذج سياسية ناجحة كان على رأسها اللواء احمد بن بريك الذي جرته الأحداث إلى معترك سياسي ليس معتركه وخطاب سياسي ليس خطابه ومنصات ليست منه في شيء .
ينفع “بن بريك” ان يكون إي شيء إلا ان يكون صاحب خطبة سياسية بشارع يزدحم فيه المئات ينتهي إلى اللاشيء .
“بن بريك” سياسي لن يتكرر أبدا لكنه ضل الطريق .
سألني احد أصدقائي :” من من السياسيين الذين نالوا إعجابك يافتحي عقب الحرب؟
قلت له :” احمد بن بريك ولا شيء غيره ولكن ليس احمد بن بريك اليوم .
قال:” كيف ؟
قلت له :” هذا الرجل سياسي من الطراز وليس محله الشارع ولا المعارضة ليس محله التظاهرات ،الرجل محله دوائر صنع القرار لقد أنهى الرجل أو يكاد تاريخه السياسي .
تشبه قصة “بن بريك” في السياسة قصة ممثلي السينما المصرية الكبار حينما يعودون بعد سنوات من الغياب لأداء ادوار هامشية وتشبه لاعب محترف يلعب في غير أرضه وليس بين جمهوره.
وبعد ان كان “بن بريك” يقضي يومه في غرف صناعة القرار وسط المكلا ويرسم خارطة مستقبل جديدة لحضرموت بات اليوم منزويا بعيدا عن كل شيء يتابع تغريدات “زهرة صالح” .
قلت لأحمد بن بريك هذا المساء وانا اكتب هذا المقال عنه إنني أحبه وأحب شخصيته قلته له :”كنت رجل دولة وسياسي ممكن يغير وجه حضرموت إلى الأبد وربما يغير وجه الجنوب واليمن كله.
قال :” يافتحي : السياسة فن الممكن…. قالوا هكذا العباقرة.
لم يقنعني الرجل بحديث ولا أظنه يمكن حتى ان يقنع نفسه بها.
غادر “بن بريك” أو ظل في المشهد السياسي سيظل الرجل مكتسبا لمحبة كثيرين لكن في قاموس السياسة الذي لايرحم سيظل “بن بريك” نجم اضأ وجه السماء قبل ان يختفي بسبب حظه “العاثر”.
يحتاج “بن بريك” ان يقف مع نفسه قليلا وأما ان يقود المجلس الانتقالي إلى مصافات مجد حقيقية وأما ان يبحث عن طريق أخرى تضمن له حضوره السياسي الحقيقي، لكن لاادري هل لايزال في الطريق اتساع لذلك.







