الصناعة الأعظم

الصناعة الأعظم
اخبار دوعن / مقال لــ / محمد باطاهر

- نَشر الكاتِب البرازيلي الشَّهير باولو كويلو “Paulo Coelho” قصّة قَصيرة فيقول :
كان الأب يُحاول أن يَقرأ الجريدة ،ولكن ابنه الصَّغير لم يتوقَّف عن مُضايقته ،وحين تَعِب الأب مِن ابنه قامَ بقطع وَرقة في الصَّحيفة كانت تَحتوي على خَريطة العالم ، ومزَّقَها إلى أجزاء صغيرة وقدَّمها إلى ابنه.
ثُمَّ طلب منهُ إعادة تَجميع الخَريطة وَعاد لِقراءة صحيفته ،ظانًّا أنَّهُ سَيُبقي طفلهُ مَشغولًا بقيَّة اليَوم.
إلّا أنَّه لم تمر خمسُ عشرة دقيقة حَتّى عادَ الطفل إليه وقد أعاد تَرتيب الخَريطة !
فَتَسائلَ الأب مذهولًا :
هل كانت أمّك تُعلّمك الجُغرافيا ؟!
ردَّ عَليهِ قائلًا : لا ، لكن كانت هُناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الوَرقة
” وَعندما أعدتُّ بِناء الإنسان ؛ أعدتُ بِناء العالم ! “
لم أبدأ مقالي بهذه القصة لأستعرض عضلاتي في البحث والنقل ، ولكن ماهُنا أبلغ من قصة وما يكتب فيها أكبر من مقال، لأنها تجسِّد طريقة التغيير المنشود الذي ترنوا إليه الأمم فقط إذا تمعنا فيها بعين البصيرة، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].
الأمة هي الإنسان وما مِن حكمة وعقل أو بلادة وبلاهة فيه إلا وكان لذلك تأثيره عليها، فهو نواتها وحجرها الأساسي، فما من أمةٍ تقدمت وأبدعت فتميزت إلا وللإنسان فيها تأثير وما من أخرى تساقطت وانهارت فتبعثرت إلا وكان للإنسان أيضاً فيها تأثير، فإذا كان الإنسان هو العنصر الفعال الذي تُبنى به مرتكزات الأمة فلابد أن تُدرك جيداً ماذا يعني أن تصنع إنساناً، ذلك الكائن الذي يسعى جاهداً للنهوض بأمته وتمكينها في جميع المجالات واضعاً نُصب عينيه مبادئ الدين الإسلامي ورسالته الإلـٰهية مقدماً مصالح أمته على مصالحه الشخصية محاولاً ما استطاع أن يصلح أخطائها ويعالج مشاكلها.
فما من أمةٍ علت وارتقت ولا حضارة نهضت واستقرت واستمرت إلا لأنها كانت تنظر للإنسان على أنه محركها وأساس بنائها وسر انطلاقتها وأنه لابد من أن تُحسن تربيته وتُتقن تعليمه وتَصقل مواهبة بل و لابد أن يُعتبر العملة الصعبة التي تسعى لارتفاع قيمته لا إنهياره، عندها يكون لزاماً على النهضة أن تصاحب تلك الأمة وأن تسير معها ، ولكن في المقابل فالأمة التي تجعل من الموارد الأخرى التي يسهل منها الكسب والتكسب لتوفير العملات المادية الصعبة بشكل سريع – كالنفط وغيره- مقدماً عليه ماتلبث أن تفشل في مواكبة التقدم ويبدأ تراجعها لأنها لم تعطي محركها موقعه ومكانته المطلوبة.
والدليل على هذا واضحٌ يُعاصر فإن دُوَلاً ما كانت تُصارعُ لأجلِ البقاء في ذيلِ الأمم بل لكي يُرى موقعها على خارطة العالم بالرغم من شحة الموارد ولكن وعندما أدركت هذه الأطر والمفاهيم، فأعطت الإنسان أهميته أصبحت بذلك تُزاحم الدول في التطور والتقدم العلمي ومواكبة العصر بعد إدراكها كيف تصنع الإنسان.
و دول أخرى تغرق في مواردها، فما من موردٍ حيوي إلا ملكته بيد أن صناعة الفرد عنها غائبة، فتجدها متأرقة في البحث عن مُنقِذَها من بحرِ الموارد، فتجدها تطلُبُ الخَلاص و تستنجد بالآخرين لإنقاذها من غرقها فإذا بِهِم يقتسمون خيراتها و يستولون على مواردها وثرواتها وهكذا تم إنقاذها من شرِّ الغرق والخلاص من الأرق.
ختاماً، إن آمال أمتنا الحاضرة لا يجب أن يحجبنا عنها آلامَها، فمشروع نهضة الأمة ليس إلا مولود من رحم المعاناة.
أحْلامُنا بالأمسِ واقِع يومنا
وغداً أماني يومنا تتحققُ
ما أَبهج الدُّنيا بحلمٍ طيــبٍ
نـضر وآمال حِسان تبـرقُ






