مقالات وكتابات رأي

سيمفونية المطر في حضرموت وحنين المغترب

اخبار دوعن / مقال لـ الدكتور / عبدالعزيز صالح جابر

تساقط المطر على حضرموت كعزف يبهج النفس، قطراته ترقص فوق الأسطح، وتتشابك مع خرير السيول في الأودية، رائحة التراب المبلل تفوح كبخور قديم، والأرض تشربه بلهفة، كأنها تروي عطش سنين مضت.
حضرموت تحت المطر ، فرحة الغيث ودهشة السيول ، سيمفونية الغيث تعزف حين تهب نسمات المطر على حضرموت ، تتغير الوجوه والمشاعر، وكأن الأرض تتنفس من جديد ، السهول تتزين بلونها الأخضر الذي ينساب مع كل قطرة ، الوديان تتحول إلى شرايين من المياه الصافية، تحمل معها أصوات الطبيعة الحية ، بين خرير وجريان، ونغم لا يُنسى، تتنفس الأرض بعمق، وتُزهر النفوس فرحًا، السهول تكتسي رداءً أخضرا منسوجًا من نور المطر، الجبال تقف شامخة ، تغسل وجهها بالغيم ، وكأنها تحتفل بالغيث بعد طول انتظار، في لحظات المطر يتحول كل وادٍ إلى مرآة تعكس السماء، وكل واد صغير يهمس بسر الحياة المتجددة.

الناس هنا في حضرموت يعرفون قيمة المطر ، يفتحون نوافذ البيوت، يمدون وجوههم نحو السماء، يرقصون تحت قطراته، يسمعون نغمته وكأنها عزف موسيقي ساحر، يحتفلون بالسرور الذي وهبه الله بهذه النعمة ، وبما تحمله الطبيعة ، وينقلونه للعالم ببث مباشر عبر كاميرات الهواتف ووسائل التواصل، لتصبح لحظاتهم مشاركة بين الجميع، شعور واحد متجدد بالدهشة والبهجة.

حضرموت تحت المطر هي أكثر من مجرد منظر طبيعي، إنها قصيدة حية، سيمفونية من المشاعر، لوحة تتغير في كل ثانية ، هي فرحة الغيث، وهي خرير المياه في السوقي. ، هي السيول المتدفقة في بطون الأودية. ، هي وعد الله بأن الحياة مستمرة، مهما كانت العواصف والمنغصات ، في حضرموت يبقى القلب يرقص مع المطر والغيث، والروح تتأمل في عظمة الله وما وهبه للأرض والطبيعة ، والجمال الذي لا يزول.
لكن كما لكل جمال وجه آخر، تأتي السيول فجأة قوية، جبارة، تتدفق في الأودية والطرقات، تذكّرنا بعظمة الله ، الذي منح الانسان قوة الحياة والموت معًا، في تلك اللحظات، تتجلى مأساة من لم يحسب حساب قوة السيول وعنفوانها، فهناك من جرفته السيول في لحظة تهور، فتتعالى الصرخات مع خرير المياه، ويختلط الحزن بالعاطفة، لتصبح المشاهد أكثر عمقًا، وأكثر حضورًا في القلب والعقل.

هناك وعن بعد مشاعر أخرى عند المطر ، تختلط فيها مشاعر وأحاسيس من في مهجره بعيدا عن أهله ووطنه ، فالمغترب الحضرمي مهما ابتعدت به المنافي ، يظل قلبه معلقًا بخيوط الضوء القادمة من قريته في الوادي أو الساحل او الهضبة أو الصحراء ، هو هناك في غربته جسدًا ، لكن روحه تسكن بين روابي وسهول وأودية وصحراء بلده وقريته بل وخيمته .
حين يهطل المطر في حضرموت، يغدو المغترب أكثر هشاشة،
تسكنه صور الطفولة وهو يركض حافي القدمين في أزقة القرية، يلامس الغيث بضحكاته، وتعود إليه أصوات السيول وهي تنحدر من أعلى الجبال كشلالات متدلية لتصب في الوادي، كأنها تناديه باسمه من بعيد ، عندها يذرف الدموع في غربته، دموعًا لا يراها أحد ، لكنها تنزل بوزن جبل من الشوق ، وهو لا يجد ما يطفئ لوعته إلا الحروف ، فيكتب على وسائل التواصل ليعبر عن مشاعر جياشة ، وكأنها رسائل في زجاجات يرميها من بعيد ، يلقيها في بحر أو يرمي بها لعنان السماء ، علّها تصل إلى قريته أو واديه في حضرموت ، حروفه مشبعة بندى الحنين، وصوره المختزنة في ذاكرته تنبض على شاشات الهواتف، لتشهد أنه لم يترك الوطن يومًا، بل الوطن يسكنه أينما سار.
الحضرمي في غربته يعيش ازدواجية مؤلمة ، جسده في المهجر، يسعى وراء الرزق والكفاح، لكن قلبه في حضرموت، يرفرف فوق بيوتها الطينية، ويهيم مع هدير بحرها، ويستكين تحت ظلال نخيلها وشجر سدرها ، إنه حنين لا ينطفئ، وارتباط لا يذبل، بل يزداد كلما ابتعدت به المسافات ، وحين يهطل المطر في حضرموت، تفيض دموعه شوقًا، كأن السماء تبكي معه ، يبث حنينه حروفًا على وسائل التواصل، يكتب وكأنه يعانق حضرموت وقريته من بعيد ، فالحضرمي لا ينسى وطنه أبدًا ، الوطن يسكنه أينما ارتحل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى