مقالات وكتابات رأي

الإفطارات الجماعية في حضرموت .. مائدة تتسع للمحبة والتراحم

الإفطارات الجماعية في حضرموت .. مائدة تتسع للمحبة والتراحم

أخبار دوعن /كتبه: ابوبكر محفوظ حسان.

في حضرموت، حيث تمتزج الأصالة بروح التديّن، تتجلى في شهر رمضان المبارك مظاهر إنسانية راقية تجمع بين البعد الإجتماعي والثقافي، من أبرزها الإفطارات الجماعية بين الجيران. هذه اللقاءات الرمضانية، التي باتت تقليداً سنوياً راسخاً في أحياء المدن والقرى، لتعكس صورة حية من صور التلاحم المجتمعي الذي يميز المجتمع الحضرمي. هنا تتحول موائد الإفطار إلى مساحات إنسانية دافئة تعيد تشكيل العلاقات بين الجيران، وتمنحهم فرصة حقيقية لاستعادة معنى الجماعة في زمن يغلب عليه الإنشغال والإنعزال, فهي ليست مجرد مشاركة لطعام، بل بناءٌ هادئ لرصيد من الثقة والمودة والتعاون يمتد أثره إلى ما بعد الشهر الكريم. وهي ايضاً تختصر كثيراً من المعاني في مشهد واحد؛ فالجميع يجلسون على مائدة واحدة، يتبادلون الأحاديث والدعوات والإبتسامات، فيشعر كل فرد أنه جزء من نسيج اجتماعي حقيقي لا يعيش وحيداً مهما كانت ظروفه, وتؤكد دراسات اجتماعية أن تناول الطعام جماعة يعزز الإحساس بالإنتماء ويقوّي الروابط بين الأفراد أكثر بكثير من العلاقات العابرة أو الإتصالات الإفتراضية.

هذه الإفطارات تجسد بوضوح معاني التكافل والتراحم التي يؤكد عليها الإسلام؛ من إطعام الطعام، وزيارة الجيران، وتفقد أحوال المحتاجين. وفي حضرموت، تمتزج في هذه الموائد أطباق من ثقافات يمنية مختلفة، في صورة صامتة لوحدة التنوع، تعكس قدرة المجتمع على التعايش وقبول الآخر في إطار مشترك من القيم الدينية والإنسانية. وتوضح أبحاث حول رمضان أن الممارسات الجماعية فيه، مثل الإفطارات المشتركة، تسهم في تعزيز التماسك الإجتماعي وتقوية الشعور بالمسؤولية المتبادلة داخل المجتمع؛ فعندما يلتقي الجيران دورياً، تُكسر الحواجز النفسية، ويتحول الحي من تجمع سكني صامت إلى شبكة من العلاقات الحية.

كما أن أثر هذه اللقاءات لا يتوقف عند لحظة الأذان؛ فالتعارف الذي ينشأ على المائدة يفتح الباب لمساندة الأسر الأضعف، وتبادل الخدمات، والوقوف معاً في أوقات الأزمات، وهي كلها عناصر رئيسية في قوة رأس المال الإجتماعي لأي مجتمع محلي, فكثير من المبادرات الخيرية والتنموية تنطلق من تعارف بسيط بين جيران تقاربت قلوبهم على مائدة إفطار واحدة.

وفي ظل تحولات الحياة الحديثة، وبروز الفردية وضغط الأزمات الإقتصادية، تصبح هذه الإفطارات مساحة وقاية اجتماعية تحفظ المجتمع من التشرذم، وتعيد الإعتبار لقيمة الجار، وتغرس في الأجيال الجديدة نموذجاً عملياً للرحمة والتكافل, لذا فالحفاظ على هذه العادة يعني حماية أحد أهم جسور الثقة والتواصل داخل المجتمع الحضرمي.

ولتعميم هذه التجربة في الأحياء, نتطلع أن تتبنى حلقات المساجد واللجان الإجتماعية تنظيم إفطار سنوي شامل لكل سكان الحي, مع امكانية دعم السلطات المحلية ورجال الأعمال لمثل هذه المبادرات ضمن برامج المسؤولية المجتمعية, وإشراك الفرق الشبابية والرياضية في الإعداد والتنظيم، ليشعر الجيل الجديد أنه شريك في هذا الجهد لا مجرد ضيف. وهكذا يمكن لمائدة إفطار بسيطة في الأحياء أن تصبح منبراً ملهماً لثقافة رمضانية تعيد بناء الجيرة على أساس الرحمة، وتحوّل رمضان إلى موسم متجدد للوحدة والتآخي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى